السيد محمد تقي المدرسي
206
من هدى القرآن
الثانية : أن جزاء الإنسان ليس بعيدا عنه من الناحية الزمنية ، فالدنيا وإن طال عمره فيها - إلى المئة عام مثلا - لا تكاد تبين في ميزان الخلود الأخروي ، وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [ الحج : 47 ] ، ولكن أكثر الناس لا يستوعبون هذه الحقيقة ولا يدركونها بعمق إلا في الآخرة إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [ طه : 104 ] ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [ الروم : 55 ] . [ 43 - 44 ] فلا يظن أصحاب الشمال أن العذاب بعيد عنهم ، فهم الآن وغدا محاطون به . وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ قال صاحب المنجد : [ اليحموم الأسود من كل شيء ( ويسمى بذلك ) الدخان ] « 1 » ، وقال علي بن إبراهيم : [ ظلمة شديدة الحر ] « 2 » ، وهذا النوع يقابله الظل الممدود في جنان المؤمنين ، ولعله المشار إليه في قوله تعالى : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] . وهو إن صح فاليحموم نار سوداء تجعلهم في ظلام حالك . لا بَارِدٍ كظلال الجنة ، وظل الدنيا وَلا كَرِيمٍ فهم يلقون من جهة عذابا للجسم بسبب الحرارة في ذلك الظل ، ومن جهة أخرى يتلقون الإهانات والإذلال والخزي ، ويعيشون انعدام الكرامة على خلاف المؤمنين والسابقين الذين تتابع عليهم كرامات الله ونعمه ، ولا يسمعون إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً . وقيل : الكريم : العذب ، وقال بعضهم : حسن المنظر ، وقال آخرون : كل ما لا خير فيه فليس بكريم . [ 45 - 48 ] وهذه الألوان من العذاب التي تحيط بأصحاب المشأمة في الآخرة ، لا شك أنها تجليات لما قدموه في الدنيا ، وما كانوا عليه من الأعمال السيئة والأفكار الضالة ، ونتيجة لمنهجهم فيها ، فما هي العوامل التي جعلتهم من هذا الزوج المشؤوم لعلنا نتعرف عليها ونتجنبها ؟ . أولًا : الترف . قال تعالى : إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ قالوا : تَرِفَ النبات كَثُرَ ماؤه ونَضُر ، وإنما سمي صاحب النعمة بالمترَف لأنه كثرت لديه النعمة وظهرت عليه نضارتها ، ولعله لا يسمى كل صاحب نعمة مترفا ، إنما الذي جاوز الحد في الاهتمام بنفسه ، وجعل النعم هدفه الأساسي ، وقد توالت آيات الذكر في ذم هذا الفريق ، وبيان صفاتهم الذميمة التي أبرزها كفرهم بكل رسالة جديدة . قال الله : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ
--> ( 1 ) المنجد : مادة حم . وفي بحار الأنوار : ج 8 ص 267 : دخان أسود شديد السواد . ( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 349 .